الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
179
مناهل العرفان في علوم القرآن
( ثالثتها ) ما ذكره الفخر الرازي بقوله : « إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام . وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفى محض ؛ فيقع في التعطيل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه ، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح . فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابه ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف عن الحق الصريح هو المحكم » اه وهذه الحكمة ظاهرة في متشابه الصفات . ( رابعتها ) إقامة دليل على عجز الإنسان وجهالته ، مهما عظم استعداده وغزر علمه ، وإقامة شاهد على قدرة اللّه الخارقة ، وأنه وحده هو الذي أحاط بكل شئ علما ، وأن الخلق جميعا لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . وهنالك يخضع العبد ويخشع ، ويطامن من كبريائه ويخنع ، ويقول ما قالت الملائكة بالأمس : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم » . قال بعض العارفين : ( العقل مبتلى باعتقاد أحقية المتشابه ، كابتلاء البدن بأداء العبادة . كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ، ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه . وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره . وقيل : لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن ، لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد ، فبذلك يستأنس إلى التذلل بذل العبودية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها ، استسلاما واعترافا بقصورها ، ولهذا ختم الآية يريد آية « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » بقوله . « وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » تعريضا للزائغين ، ومدحا للراسخين . يعنى من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه ، فليس من أولى العقول .